استقلال الاردن سطر بأحرف من ذهب قصة النهضة العربية
عمون - ( بترا ) – من بشار الحنيطي - " وبمقتضى اختصاص المجلس الدستوري , تقرر بالاجماع اعلان البلاد الاردنية دولة مستقلة استقلالا تاما وذات حكومة ملكية وراثية نيابية والبيعة بالملك لسيد البلاد ومؤسس كيانها وريث النهضة العربية ( عبدالله بن الحسين المعظم ) بوصفه ملكا دستوريا على رأس الدولة الاردنية بلقب حضرة صاحب الجلالة ملك المملكة الاردنية الهاشمية " .
بهذه الكلمات اصدر المجلس التشريعي الاردني الخامس في الخامس والعشرين من ايار 1946 قراره التاريخي الذي اعلن فيه استقلال المملكة الاردنية الهاشمية ليسطر باحرف من ذهب قصة تكوين الدولة الاردنية كاساس للنهضة العربية التي حملت اعباء المسؤولية واكدت الشخصية العربية معيدة بذلك العرب الى سابق مجدهم .
لقد كان الاردن من اوائل الدول العربية التي حملت صفات الدولة الدستورية ، وكان البلد النموذج لتكوين الدولة المستقلة , فمنذ ان وطئت قدما سمو الامير عبدالله بن الحسين ( الملك المؤسس ) ارض الاردن عندما استقبلته معان في الحادي والعشرين من تشرين الثاني 1920 اعلن سموه ان هدفه المحدد هو تحرير البلاد من الاستعمار .
وفور وصول سمو الامير عبد الله الى معان بدأ عمله باصدار بيان في الخامس من كانون الاول 1920 دعا فيه الضباط العرب وشيوخ العشائر الى الالتحاق به في معان .
وانطلقت رحلة التأسيس يوم الاثنين الثامن والعشرين من شباط 1921 لتحط الرحال في عمان ظهر يوم الاربعاء الثاني من اذار من العام ذاته ليكون ذلك اليوم، يوم تباشير ميلاد شرق الاردن الذي نما واكتمل ليصبح المملكة الاردنية الهاشمية في الخامس والعشرين من ايار 1946.
وارسل المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل العديد من التقارير الى الحكومة البريطانية بدءاً من مطلع شهر كانون الثانـي 1920 تتحدث عن ازدياد النشاط الهاشمي في المنطقة،وان عمان اصبحت مركزاً لكل الاحرار والوطنيين التي كانت تسميهم السلطات الفرنسية والبريطانية بالخارجين عن القانون .
ولم يمضِ وقت طويل حتى تسلم سمو الامير عبدالله دعوة من السير صموئيل لزيارة القدس ومقابلة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل فاجاب سموه الدعوة .
واستغرقت مباحثات سموه في القدس مع تشرشل ثلاث جولات في 28 و29 و30 اذار 1921، وتم فيها بحث العديد من القضايا في ضوء ما افرزه مؤتمر الشرق الاوسط في الثاني عشر من اذار 1921، وكذلك توصيات لورنس وتوصيات واقتراحات صموئيل .
ان نجاح سموه في مفاوضاته مع تشرشل كان سببا في اصدار قرار من عصبة الامم التي كانت تمثل الشرعية الدولية حينها بالاعتراف بشرق الاردن كوحدة جغرافية وسياسية مستقلة حيث صدر القرار فيما بعد في الثالث والعشرين من ايلول 1922 .
وبعد انتهاء مباحثات سموه عاد الى عمان ليشرع بتشكيل اول حكومة اردنية في الحادي عشر من نيسان عام 1921 برئاسة رشيد طليع وقد سمي الرئيس حينها باسم ( الكاتب الاداري) وسمي المجلس ب (مجلس المشاورين) الذي تشكل من سبعة اعضاء .
رغم ان احداثا عديدة وقعت في منطقة شرق الاردن استهدفت امن البلاد واستقرارها الا ان سمو امير البلاد عبدالله بن الحسين استمر في خطته التي تستهدف تحقيق الاستقلال واستكمال اجراءات الدولة الدستورية.
ولهذه الغاية زار سموه لندن في الثالث من تشرين الاول 1922 وعاد في مطلع كانون الثاني عام 1923بعد مفاوضات طويلة اسفرت عن مشروع معاهدة اردنية بريطانية .
وتحدث سموه عن زيارته حيث قال " وانني كما قلت للجموع في موقفي هذا عند قدومي الى هذه المنطقة كما تتذكرون ، من انه لو كانت لي سبعون نفساً فقدمتها كلها في سبيل القومية والوطن لما رأيتني قمت بالواجب " .
ويضيف سمو الامير عبدالله ويقول " وهنا اعلن بلسان الصرامة تأكيد عزمي السابق من جعل هذه البلاد دعامة وامانا، ترتاح لحسن ادارتها اقطار محبيها خالية من وجود شكاوي قاطنيها ومجاوريها , واتعشم انني اصبت بهذه الصورة ما يرتأيه محبو الوطن وطالبو الخير له" .
ومثلما اختط الاردن طريق بناء مؤسسات الدولة فانه انتقل ايضا الى مرحلة اعلان الاستقلال وقد مر ذلك بمرحلتين الاولى اعلان الاستقلال في الخامس والعشرين من ايار 1923 والثانية اعتراف بريطانيا بهذا الاستقلال بصفتها الدولة المنتدبـة بموجب قرار عصبة الامم المتحدة الصادر في الثالث والعشرين من ايلول 1922 , وقد جاء هذا الاعتراف في نهاية شهر تشرين الاول من العام ذاته .
وتمهيدا لهذه المراحل اقيم في الخامس عشر من ايار 1923 حفل رسمي شارك فيه رجالات الاردن وفلسطين والقى سمو امير البلاد خطبة طويلة استهلها بمقدمة تاريخية عن مجد الامة العربية وهنا يقول سموه " فوقعت النهضة العربية المباركة على يد من اختاره الله سبحانه وتعالى قواما لها وقائدا لأمورها…." .
وتحدث سمو امير البلاد عن مفاوضاته مع ملك بريطانيا مثمناً اعترافه بالاستقلال وان الحكومة ستشرع بتعديل قانون الانتخاب ووضع القانون الاساسي لشرق الاردن .
واضاف سموه عن الاستقلال: " واني آمل ان يكون هذا اليوم سعيداً للامة تتخذه عيداً تظهر فيه سرورها وحبورها ومنه تعالى نستمد العون…" .
الا ان ما ورد في حديث السير هربرت صموئيل في المناسبة ذاتها ويوم الاحتفال كان يمثل رسالة واضحة بان اعتراف بريطانيا بالاستقلال لم يكن كاملا عندما قال" وها نحن نحتفل الآن ، بالاتفاق الذي عقد مع سمو الامير في اثناء زيارته لجلالة الملك جورج والحكومة البريطانية، ولا يخفى عليكم ان الاتفاق ينص على اعتراف حكومة جلالة الملك بوجود حكومة مستقلة في شرق الاردن برئاسة صاحب السمو الامير عبدالله بن الحسين، شريطة ان توافق جمعية الامم على ذلك، وان تكون حكومة شرق الاردن دستورية تمكن جلالة الملك من القيام بتعهداتها الدولية فيما يتعلق بتلك البلاد بواسطة اتفاق يعقد بين حكومتين ".
لقد استمر الاعمار الداخلي وبناء القوات المسلحة والارتقاء بمؤسسات الدولة الدستورية الى ان عقدت معاهدة بين سمو الامير عبدالله بن الحسين وملك بريطانيا الذي فوض المارشال (بلوفر) حيث وقعت المعاهدة في القدس في العشرين من شباط 1928 .
وتضمنت المعاهدة إحدى وعشرين مادة، كان اهم ما جاء فيها من مبادىء وضع قانون اساسي اي دستور للبلاد وتنازل الحكومة البريطانية عن السلطتين التشريعية والتنفيذية للامير عبدالله بن الحسين وان يبقى لبريطانيا الحق في الاحتفاظ بقوات عسكرية في الاراضي الاردنية وتمكينها من انشاء قوات متى تشاء وكيف تشاء اضافة الى قيام بريطانيا بضمان السيادة الاقليمية للبلاد .
ولتنظيم شؤون الدولة وارساء قواعد الديموقراطية ، جرت اول انتخابات تشريعية تبعها افتتاح الدورة الاولى للمجلس التشريعي الاول المنعقد في شرق الاردن يوم السبت الثاني من تشرين الثاني 1929، حيث القى سمو الامير عبدالله خطاب العرش الذي استعرض فيه احداث الساعة .
قال المغفور له في خطابه "لقد حمل الي المندوب السامي البريطاني لشرق الاردن في زيارته الاخيرة نص المعاهدة المبرمة من صاحب الجلالة البريطانية مشفوعة بكتاب من فخامته يقول فيه انه قد امر ان يحيطنا علماً باعتراف الملك بوجود حكومة مستقلة في شرق الاردن وانه قد عهد الينا بالتشريع والادارة في تلك الامارة بلا قيد غير التحفظات المنصوص عليها في اتفاقية شرق الاردن وان يُؤَدى الينا ما يُؤدى للامراء الملكيين ورؤساء الدول من تحية مألوفة " .
وتالياً نص الاعتراف باستقلال شرق الاردن الذي صدر في التاسع والعشرين من تشرين الاول 1929 بتوقيع رسمي من المندوب السامي البريطاني لشرق الاردن :
" صاحب السمو الملكي الامير عبدالله بن الحسين المعظم امير شرق الاردن بعمان , وقد امرت ان احيط سموكم علماً بأنه بناءً على اعتراف جلالة الملك بوجود حكومة مستقلة في شرق الاردن وبما انه قد عهد الى سموكم بالتشريع والادارة في تلك الامارة بلا قيد غير التحفظات المنصوص عليها في اتفاقية شرق الاردن، لذلك اعلن صاحب الجلالة موافقته على اطلاق واحد وعشرين مدفعا تحية لسموكم في الظروف المألوفة وهي التحية














